لماذا يتكرر نفس النمط من العلاقات السامة في حياتنا؟ استكشاف الجذور النفسية وتأثير الـSchemas
بقلم: الدكتور فيصل البجلي - استشاري العلاج النفسي
مقدمة
كثيرًا ما يجد الأشخاص أنفسهم عالقين في دوامة العلاقات السامة، حيث يتكرر نفس النمط مرارًا، بغض النظر عن اختلاف الشركاء أو الأصدقاء. هذا التكرار قد يبدو محيرًا ومؤلمًا، مما يدفع للتساؤل: “لماذا يحدث ذلك؟” علم النفس يشير إلى أن السبب قد يكون مرتبطًا بـ الـSchemas أو الأنماط النفسية القديمة التي ترسخت في العقل منذ الطفولة، والتي تؤثر بشكل كبير على كيفية اختيارنا للعلاقات وتفاعلنا معها.
ما هي الـSchemas؟
Schemas هي أنماط فكرية وعاطفية وسلوكية تتكون في مراحل الطفولة المبكرة نتيجة للتجارب الحياتية. هذه الأنماط تُعتبر عدسات نفسية نرى من خلالها العالم ونفسر من خلالها الأحداث والعلاقات. قد تكون بعض الـSchemas إيجابية، مثل الشعور بالأمان والثقة، بينما قد تكون أخرى سلبية، مثل الخوف من الهجر أو الشعور بعدم الاستحقاق.
كيف تؤثر الـSchemas على العلاقات؟
عندما تكون لدينا Schemas سلبية مرتبطة بالعلاقات، فإنها تتحكم في طريقة اختيارنا للشركاء أو الأصدقاء وكيفية تعاملنا معهم. على سبيل المثال:
1. Schema الهجر:
• الأشخاص الذين عانوا من غياب أحد الوالدين أو عدم الاستقرار العاطفي في الطفولة قد يطورون خوفًا دائمًا من الهجر. هذا الخوف يجعلهم ينجذبون لشركاء غير متوفرين عاطفيًا، مما يعيد تكرار نفس نمط العلاقة المؤلمة.
2. Schema عدم الاستحقاق:
• الشخص الذي تربى في بيئة تُقلل من قيمته الذاتية قد يختار علاقات تجعله يشعر بعدم الكفاءة أو القبول، مما يؤدي إلى استمرار العلاقات السامة.
3. Schema الهيمنة أو التسلط:
• إذا نشأ الفرد في بيئة تُسيطر عليها السلطة الصارمة أو القمع، فقد يجد نفسه منجذبًا لأشخاص يتحكمون فيه أو يتلاعبون به.
لماذا نستمر في تكرار الأنماط السامة؟
تكرار هذه الأنماط قد يكون مرتبطًا بعدة أسباب نفسية، منها:
1. الاعتياد:
• العقل يميل للعودة إلى ما يعرفه، حتى لو كان مؤلمًا. إذا كانت بيئة الطفولة مليئة بالصراعات أو التجاهل، فقد يصبح هذا النمط “طبيعيًا” بالنسبة للفرد، ويبحث عنه لا شعوريًا.
2. الرغبة في الإصلاح:
• يحاول البعض الدخول في علاقات مشابهة لتلك التي عاشوها في الطفولة على أمل إصلاح ما لم يتمكنوا من تغييره سابقًا. على سبيل المثال، قد يحاول الشخص كسب حب شريك غير مبالٍ ليعوض فقدان الحب من أحد الوالدين.
3. الـTriggers العاطفية:
• العلاقات السامة غالبًا ما تُنشط الـSchemas القديمة، مما يجعل الشخص يستجيب بنفس الطريقة التي تعلمها في طفولته.
كيف نتخلص من هذه الأنماط؟
التخلص من تكرار العلاقات السامة يتطلب وعيًا عميقًا بالنمط والـSchemas المرتبطة به. يمكن تحقيق ذلك من خلال الخطوات التالية:
1. التعرف على الـSchemas:
• من المهم أن نتوقف ونفكر: “ما هي التجارب أو الأفكار التي تدفعني لاختيار هذه العلاقات؟” العمل مع معالج نفسي متخصص في العلاج الموجه للـSchemas يمكن أن يساعد في الكشف عن هذه الأنماط.
2. تطوير وعي ذاتي:
• كتابة يوميات عن العلاقات السابقة وتحليل أنماطها يمكن أن يساعد في التعرف على التكرار وما وراءه من معتقدات داخلية.
3. تعلم الاستراتيجيات الصحية:
• استبدال الأنماط القديمة بسلوكيات جديدة مثل وضع الحدود، والبحث عن شركاء داعمين بدلًا من الذين يعيدون تأكيد الـSchemas السلبية.
4. إعادة بناء الاعتقادات الذاتية:
• يجب العمل على تغيير الأفكار السلبية عن الذات، مثل “أنا لا أستحق الحب” إلى “أنا أستحق علاقة صحية وسعيدة”.
5. التخلص من العلاقات السامة الحالية:
• التعرف على العلاقة السامة واتخاذ قرار بالابتعاد عنها خطوة أساسية لوقف النمط.
دور العلاج النفسي في كسر الدائرة
العلاج النفسي، خاصة العلاج المعرفي السلوكي (CBT) وعلاج الـSchemas، يلعب دورًا محوريًا في تغيير الأنماط السامة. يساعد العلاج على:
• التعرف على الأفكار والمشاعر السلبية المرتبطة بالعلاقات.
• مواجهة وتغيير الاعتقادات الخاطئة.
• بناء مهارات جديدة لإدارة العلاقات الصحية.
خاتمة: هل يمكن كسر النمط؟
الإجابة هي: نعم، ولكن ذلك يتطلب وعيًا ذاتيًا وجهدًا مستمرًا. يمكننا كسر دائرة العلاقات السامة إذا عملنا على فهم جذور المشكلة ومعالجتها. الـSchemas ليست حكمًا دائمًا، بل يمكن تغييرها عبر التعرف عليها والعمل على استبدالها بأنماط أكثر صحة وسعادة.
بقلم الدكتور فيصل البجلي
استشاري العلاج النفسي
“الشفاء يبدأ من الداخل، وعندما نفهم أنفسنا بشكل أعمق، نفتح الباب لتغيير حياتنا.”
احصل على استشارات نفسية :