“الإكراه على التكرار: لماذا نعيد تمثيل ألمنا؟”
بقلم الدكتور /فيصل البجلي
مقدمة:
هل تساءلت يومًا لماذا نجد أنفسنا نعيد تجربة نفس العلاقات المؤذية أو المواقف المحبطة، رغم إدراكنا أنها تسبب لنا الألم؟ لماذا يكرر البعض الأخطاء ذاتها، وكأنهم عالقون في دائرة مغلقة؟ هذه الأسئلة تتعلق بمفهوم نفسي عميق يُعرف بـ”الإكراه على التكرار” (Repetition Compulsion). في هذا المقال، سنتناول هذا المفهوم بعمق، مستعرضين أمثلة ودراسات حديثة تساعد في كشف هذا السلوك النفسي المحير.
ما هو الإكراه على التكرار؟
صاغ سيغموند فرويد هذا المصطلح في كتابه “ما وراء مبدأ اللذة” (1920)، لوصف ميل الإنسان لإعادة تمثيل تجارب مؤلمة أو صادمة من ماضيه، حتى وإن كانت تلك التجارب تؤدي إلى ألم نفسي متجدد. يرى فرويد أن هذا السلوك غير واعٍ ويهدف لمحاولة السيطرة على الماضي أو التعامل معه بطريقة جديدة.
أمثلة شائعة:
• شخص تعرض للإهمال العاطفي في طفولته قد يجد نفسه مرتبطًا بشركاء لا يعيرونه اهتمامًا كافيًا، مما يعيد تجربة الإهمال مرارًا.
• موظف تعرض للتنمر في بيئة عمل سابقة قد ينتقل لوظيفة جديدة ليجد نفسه في بيئة مشابهة.
• امرأة كانت ضحية لعلاقة عنيفة قد تجد نفسها منجذبة لشريك يعيد نفس نمط العنف.
لماذا يحدث الإكراه على التكرار؟
هناك العديد من الأسباب التي قد تفسر هذه الظاهرة، ومنها:
1. السعي إلى السيطرة:
يرى البعض أن التكرار يمثل محاولة لا واعية للتحكم بالذكريات المؤلمة. على سبيل المثال، قد يعيد الشخص تجربة مؤذية ليشعر أنه في موضع قوة هذه المرة.
2. تثبيت الصدمة:
تشير الدراسات إلى أن الصدمات العاطفية تترك بصمة في العقل تجعل الفرد يعود لتلك المواقف، كأن العقل يعيد تشغيل نفس السيناريو مرارًا.
3. الشعور بالألفة:
في بعض الحالات، يشعر الأفراد براحة غريبة في الألم لأنهم اعتادوا عليه منذ الصغر، وهو ما يجعل الألم مألوفًا أكثر من السلام.
أسئلة تثير التفكير:
• هل نكرر الماضي لأننا نبحث عن إجابات لم نجدها؟
• هل يمكن أن تكون هذه الدائرة اللاواعية وسيلة للتخلص من الذكريات المؤلمة؟
دراسات وأبحاث عن الإكراه على التكرار:
دراسة عام 1997 (Van Der Kolk):
تناولت هذه الدراسة تأثير الصدمات على السلوك اليومي، حيث أظهرت أن الأفراد الذين تعرضوا لصدمات في الطفولة يميلون إلى تكرارها في علاقاتهم المستقبلية. وجد الباحثون أن هذا التكرار لا يحدث بدافع واعٍ بل كرد فعل نفسي معقد.
أبحاث حديثة (2015):
أكدت دراسة منشورة في Journal of Traumatic Stress أن الأفراد الذين يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) غالبًا ما يعيدون تمثيل الصدمة من خلال أحلامهم أو قرارات حياتية غير واعية، ما يزيد من تعقيد علاجهم النفسي.
أمثلة من الحياة العملية:
1. العلاقات العاطفية:
كثيرًا ما نسمع عن شخص يستمر في الدخول في علاقات مشابهة لعلاقته السابقة المؤذية. مثلًا، شابة انتهت علاقتها بشريك متسلط تجد نفسها بعد فترة مع شريك جديد بنفس السمات.
2. بيئة العمل:
موظف عمل في بيئة مليئة بالضغوطات ينتقل إلى وظيفة جديدة، لكنه يكرر نفس أنماط العمل والضغوط، كأنه يبحث عن نفس التجربة دون وعي.
3. الحياة الأسرية:
شخص نشأ في منزل تسوده الصراعات والمشاحنات قد يعيد هذه التجربة داخل أسرته الخاصة، من خلال اتخاذ قرارات مشابهة لتلك التي عايشها في طفولته.
هل التكرار دائمًا سيئ؟
رغم أن الإكراه على التكرار يبدو سلبيًا، إلا أنه قد يكون محاولة غير واعية للبحث عن نهاية مختلفة. لكن، المعضلة تكمن في أن هذا التكرار نادرًا ما يؤدي إلى الشفاء، بل يزيد من ترسيخ الصدمة.
تساؤلات تفتح آفاقًا جديدة:
• هل نحن عالقون في الماضي بسبب تجارب لم نتمكن من معالجتها؟
• كيف يمكن أن يساعد الوعي النفسي في كسر دائرة التكرار؟
• ما العلاقة بين الإكراه على التكرار والذكريات المكبوتة؟
خاتمة:
يبقى الإكراه على التكرار من أكثر المفاهيم النفسية تعقيدًا وإثارة للتفكير. فهو يجسد الطريقة التي يسعى بها العقل البشري لفهم ألمه الخاص والتعامل معه. هذا المفهوم ليس مجرد فكرة نظرية، بل حقيقة تتجلى في حياتنا اليومية وعلاقاتنا وقراراتنا. ربما تكمن الخطوة الأولى نحو التحرر من هذا التكرار في التعرف عليه وفهم أسبابه.
احصل على استشارات نفسية :